محمد حسين هيكل
57
حياة محمد ( ص )
المخوف . وكان أهم انتقال التجارة يومئذ بين الشرق والغرب : بين الروم وما وراءها ، والهند وما وراءها . وكانت بلاد العرب طريق هذه التجارة التي كانت تجتاز إليها عن طريق مصر أو عن طريق الخليج الفارسيّ متخطية البوغاز الواقع على مدخل خليج فارس . فكان طبيعيا إذا أن يكون بدو شبه جزيرة العرب هم أمراء الصحراء كما أصبح رجال السفن في العصور التي تلت والتي طغى الماء على اليابسة هم أمراء البحر . وكان طبيعيا إذا أن يرسم أمراء الصحراء هؤلاء طرق القوافل من أنحائها فيما لا يخاف خطره ، كما يرسم رجال البحر خطوط سير السفن بعيدة عن شعاب البحر ومخاطره . يقول هيرن : « لم يكن طريق القافلة شيئا متروكا للاختيار بل كان مقرّرا بالعادة . ففي هذه المراحل الفسيحة من الصحراء الرمليّة التي كان رجال القوافل يجتازونها ، حبت الطبيعة المسافر بضعة أماكن مبعثرة في جدب البادية يتخذها موئلا لراحته . وهناك ، في ظلال أشجار النخيل وإلى جانب المياة العذبة التي تجري من حولها ، يستطيع التاجر ودابّة حمله أن ينهلا من صيّتها ما أحوجهما إليه العنت الذي لقيا . وأصبحت منازل الراحة هذه مستودعات للتجارة ، وصار بعضها مقاما للهياكل والمحاريب ، يتابع التاجر في حمايتها تجارته ، ويلجأ الحاجّ إليها لالتماس العون منها » « 1 » طريقا القوافل كانت شبه الجزيرة تموج بطرق القوافل . وكان منها طريقان رئيسيان . فأما أحدهما فيتاخم الخليج الفارسيّ ، ويتاخم دجلة ، ويقتحم بادية الشام إلى فلسطين ؛ ويصح لمجاورته حدود البلاد الشرقية أن يسمى طريق الشرق . وأما الآخر فيتاخم البحر الأحمر ؛ ويصح لذلك أن يسمى طريق الغرب ، وعن هذين الطريقين كانت تنتقل مصنوعات الغرب إلى الشرق ومتاجر الشرق إلى الغرب ، وكانت تجبى إلى البادية أسباب الرخاء والرفاهية . على أن ذلك لم يزد أهل الغرب معرفة بهذه البلاد التي تجتازها تجارتهم . فقد كان الذين يعبرونها من أهل الشرق والغرب قليلين ؛ لما في عبورها من مشقة لا يحتملها إلا الذين اعتادوها منذ نعومة أظفارهم ، والمجازفون الذين يستهينون بالحياة ، حتى أضاعها كثير منهم في هذه المهامه والفدافد عبثا . وما احتمال رجل اعتاد بلهنية الحضر لوعثاء هذه الجبال الجرداء التي تفصل تهامة بينها وبين شاطئ البحر الأحمر بفاصل ضيق ؛ فإذا بلغها المسافر في تلك الأيام ، التي لم تعرف غير الجمل مطيّة للسفر ، ظلّ يصعّد بين قممها حتى تقذفه إلى هضاب نجد الصحراوية القليلة الغناء ! وما احتمال رجل اعتاد النظام السياسي الذي يكفل للناس جميعا طمأنينتهم لعنت هذه البادية التي لا يعرف أهلها نظاما سياسيّا بل تعيش كل قبيلة ، بل كل أسرة ، بل كل فرد وليس ما ينظم علاقاته بغيره إلا روابط عصبية الأسرة والقبيلة ، أو قوة الحلف ، أو حمى الجوار يرجو الضعيف به رعاية قويّ إياه ! فقد كانت حياة البادية في كل العصور حياة خارجة على كل نظام عرفه الحضر ، مطمئنة إلى العيش في حمى مبادئ القصاص ، ودفع العدوان بالعدوان ، واغتيال الضعيف ما لم يجد من يجبيره . وليست هذه بالحياة التي تشجّع على التطلع إلى إستكناه أخبارها والتحقق من تفاصيل نظمها . لذلك ظلّت شبه الجزيرة مجهولة عند سائر العالم يومئذ ، إلى أن أتاحت لها الأقدار ، بعد ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، أن يقصّ أخبارها من نزح عنها من أهلها ، وأن يقف العالم على كثير مما كان العلم من قبل ذلك في أتمّ الجهل به . حضارة اليمن لم يندّ من بلاد العرب عن جهالة العالم سوى اليمن وما جاورها من البلاد المتاخمة للخليج الفارسي .
--> ( 1 ) نقله موير في كتابه ( حياة محمد ) ص .